فيقولون: أعوذ بالله من هذا أو من شر هذا اللهم لا تأتنا به. فيأتيهم فيقولون: اللَّهم اخزه فيقول: أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا" (١). ثم قال البزار لا يروى إلا من هذا الوجه،
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ الآية، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾ أي: في الحياة الدنيا (٢) ﴿أَعْمَى﴾ أي: عن حجة الله وآياته وبيناته ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ أي: كذلك يكون ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: وأضل منه كما كان في الدنيا عياذًا بالله من ذلك.
يخبر تعالى عن تأييده رسوله صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره مؤيده ومظفره ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها، ﷺ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
قيل: نزلت في اليهود إذ أشاروا على رسول الله ﷺ بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة، وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة بعد ذلك.
وقيل: إنها نزلت بتبوك وفي صحته نظر. روى البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، ء عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غُنم أن اليهود أتوا رسول الله ﷺ يومًا فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقًا أنك نبي فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء، فصدَّق ما قالوا فغزا تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿تَحْوِيلًا﴾ فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك ومنها تبعث.
وفي هذا الإسناد نظر (٣)، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي لم يغز تبوك عن قول اليهود،
(١) سنده ضعيف إذ مداره يتوقف على عبد الرحمن بن أبي كريمة والد السدي الكبير وهو مجهول الحال (التقريب ص ٣٤٩)، وأخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل ح ٣١٣٦)، وابن حبان (الإحسان ١٦/ ٣٤٦ ح ٧٣٤٩)، وأبو نعيم (الحلية ٩/ ١٥)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٢٤٢) كلهم من طريق السدي عن أبيه به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفيه نظر. (٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه. (٣) وهو كما قال فقد أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٥/ ٢٥٤) وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال، وعبد الرحمن بن غنم مختلف في صحبته.