للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: بكتبهم (١). فيحتمل أن يكون أراد هذا وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أي: بكتاب أعمالهم (٢) وكذا قال أبو العالية والحسن والضحاك (٣). وهذا القول هو الأرجح لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)[الكهف] [ويحتمل أن المراد بإمامهم أي كل قوم بمن يأتمون به فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١] وفي الصحيحين: "لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيتبع من كان يعبد الطواغيت" (٤) الحديث] (٥).

وقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)[الجاثية] وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته فإنه لابدّ أن يكون شاهدًا على أمته بأعمالها كقوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)[النساء] ولكن المراد ههنا بالإمام هو كتاب الأعمال ولذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرأه [ويحب] (٦) قراءته كقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ إلى قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)[الحاقة].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قد تقدم أن الفتيل هو الخيط المستطيل في شق النواة (٧).

وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا في هذا فقال: حدثنا محمد بن يعمر ومحمد بن عثمان بن كرامة قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة ، عن النبي في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال: "يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة يتلألأ، فينطلق إلى أصحابه، فيرونه من بعيد فيقولون: اللَّهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم: أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا، وأما الكافر فيسود وجهه ويمد له في جسمه، ويراه أصحابه


(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بنحوه ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٣) قول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس، وفول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق قتادة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخ الطبري.
(٤) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود ح ٨٠٦، وصحيح مسلم، الإيمان باب معرفة طريق الرؤية ح ٢٩٩).
(٥) زيادة من (ح) و (حم).
(٦) كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل: "محب".
(٧) تقدم في تفسير سورة النساء آية ٤٩.