وقال أبو إسحاق أيضًا، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كان وجه يوسف مثل البرق (١)، وكانت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتتن به.
ورواه الحسن البصري مرسلًا عن النبي ﷺ أنه قال: "أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين"، أو قال: "أُعطي يوسف وأُمه الثلثين والناس الثلث" (٢).
وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي قال: قسم الحسن نصفين فأعطي يوسف وأُمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق (٣).
وقال الإمام أبو القاسم السهيلي: معناه أن يوسف ﵇ كان على النصف من حسن آدم ﵇، فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله، وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه، فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾.
قال مجاهد وغير واحد: معاذ الله (٤) ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، وقرأ بعضهم (ما هذا بشري) (٥). أي: بمشترى. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ تقول: هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله، ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: فامتنع.
قال بعضهم: لما رأينَ جماله الظاهر أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن، وهي العفة مع هذا الجمال، ثم قالت تتوعده: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ فعند ذلك استعاذ يوسف ﵇ من شرهنَّ وكيدهنَّ، و ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أي: من الفاحشة ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أي: إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها قدرة ولا أملك لها ضرًا ولا نفعًا إلا بحولك وقوتك، أنت المستعان وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ الآية، وذلك أن يوسف ﵇ عصمه الله عصمة عظيمة، وحماه فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفًا من الله ورجاء ثوابه.
ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله" (٦).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أشعث بن سوار عن أبي إسحاق به، وأشعث ضعيف كما في التقريب.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وقال الألباني: منكر باطل بهذا اللفظ (السلسلة الصحيحة ح ١٤٨١).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي نعيم، وهو الفضل بن دكين، عن سفيان به.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٦) صحيح البخاري، الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (ح ٦٦٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، =