للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)

يقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين، أي إلى مدة، وذلك بعدما عرفوا براءته وظهرت الآيات، وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته، وكأنهم - والله أعلم - إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهامًا أنه راودها عن نفسها وأنهم سجنوه على ذلك. ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة. فلما تقرر ذلك، خرج وهو نقي العرض صلوات الله عليه وسلامه.

وذكر السدي أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه، ويبرأ عرضه فيفضحها (١).

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾.

قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه (٢).

قال محمد بن إسحاق: كان اسم الذي على الشراب نبو والآخر مجلث (٣).

قال السدي: كان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالَا على سمه في طعامه وشرابه (٤).

وكان يوسف قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة، وصدق الحديث، وحسن السمت، وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه. ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم. ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن تآلفا به وأحباه حبًا شديدًا وقالا له: والله لقد أحببناك حبًا زائدًا. قال: بارك الله فيكما، إنه ما أحبني أحد إلا دخل عليّ من محبته ضرر، أحبتني عمتي فدخل عليّ الضرر بسببها، وأحبني أبي فأوذيت بسببه، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك، فقالا: والله ما نستطيع إلا ذلك (٥)، ثم إنهما رأيا منامًا فرأى الساقي أنه يعصر خمرًا، يعني: عنبًا، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: (إني أراني أعصر عنبًا) (٦).

ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود أنه قرأها: (أعصر عنبًا) (٧).

وقال الضحاك في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾: يعني: عنبًا، قال: وأهل عُمان يسمون


= باب فضل إخفاء الصدقة (ح ١٠٣١).
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين من طريق أسباط عن السدي، ويقوي أحدهما الآخر.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه ابن إسحاق في كتابه "المبتدأ" (ينظر: فتح الباري ١٢/ ٣٨١).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد، بنحوه.
(٦) ثبت ذلك عنه كما يلي، وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١٢/ ٣٨٢).