للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد، عن أبي صخر، قال: سمعت القرظي يقول: في البرهان الذي رآه يوسف ثلاث آيات من كتاب الله ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾ الآية [الانفطار]، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الآية [يونس: ٦١]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي، وزاد آية رابعة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] (١).

وقال الأوزاعي: رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك (٢).

قال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه رأى آية من آيات الله ما زجره عما كان همَّ به، وجائز أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبًا من الزجر عن ذلك، ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك (٣). فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى.

وقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ أي: كما أريناه برهانًا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه.

﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾.

يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب: يوسف هارب، والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت، فلحقته في أثناء ذلك فأمسكت بقميصه [من ورائه] (٤) فقدّته قدًا فظيعًا، يقال: إنه سقط عنه واستمر يوسف هاربًا ذاهبًا، وهي في أثره، فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ أي: فاحشة ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ أي: يحبس، ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: يضرب ضربًا شديدًا موجعًا.

فعند ذلك انتصر يوسف بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة، و ﴿قَالَ﴾ بارًا صادقًا ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدَّت قميصه ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أي: من قدامه ﴿فَصَدَقَتْ﴾ أي: في قولها أنه راودها عن نفسها، لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره، فقدّت قميصه فيصح ما قالت ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبته، أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدَّت قميصه من ورائه.


(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن وهب به، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي.
(٣) ذكره الطبري بنحوه.
(٤) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و (مح).