وقال قتادة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ قال: فبينما النبي ﷺ في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن -هذا أن- يفتح قصور الروم وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فقال: "عليَّ بهؤلاء النفر" فدعاهم فقال: "قلتم كذا وكذا"، فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب (١).
وقال عكرمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللَّهم إني أسمع آية أنا أعنى بها تقشعر منها الجلود وتجبُّ (٢) منها القلوب، اللَّهم فاجعل وفاتي قتلًا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت. قال: فأُصيب يوم اليمامة فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره (٣).
وقوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: بهذا المقال الذي استهزأتم به ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ أي: لا يعفى عن جميعكم ولابد من عذاب بعضكم ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أي: مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾.
يقول تعالى منكرًا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان هؤلاء ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن الإنفاق في سبيل الله، ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أي: نسوا ذكر الله ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: عاملهم معاملة من نسيهم كقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طريق الحق الداخلون في طريق الضلالة،
وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أي: على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها مخلدين هم والكفار ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أي: كفايتهم في العذاب ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طردهم وأبعدهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾.
يقول تعالى: أصاب هؤلاء من عذاب الله في الدنيا والآخرة كما أصاب من قبلهم، وقوله: ﴿بِخَلَاقِهِمْ﴾ قال الحسن البصري: بدينهم (٤).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٢) أي تضطرب.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل من طريق أيوب السختياني عن عكرمة، ويشهد له ما سبق من الآثار.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن.