وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: في الكذب والباطل ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها؛ لأنها فاسدة ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب.
قال ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل شبَّهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال: "والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحَر ضبِّ (١) لدخلتموه"(٢).
قال ابن جريج: وأخبرني زياد بن سعد، عن محمد بن زياد بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لتتبعنَّ سَنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جُحَر ضبٍّ لدخلتموه" قالوا: ومن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال: فَمَه (٣)" (٤). وهكذا رواه أبو معشر، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: فذكره، وزاد قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم القرآن ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، قال أبو هريرة: الخِلاق: الدين ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم؟ قال: "فهل الناس إلا هم؟ " (٥) وهذا الحديث له شاهد في الصحيح (٦).
يقول تعالى واعظًا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل؟ ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض إلا من آمن بعبده ورسوله نوح ﵇، ﴿وَعَادٍ﴾ كيف أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هودًا ﵇، ﴿وَثَمُودَ﴾ كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحًا ﵇ وعقروا الناقة، ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ كيف نصره الله عليهم وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم، وأهلك ملكهم نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ وهم قوم شعيب ﵇ وكيف
(١) خصص بجحر الضب لشدة ضيقه وردائته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم، واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم! (ينظر فتح الباري ٦/ ٤٩٨). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حجاج بن محمد به، وفي سنده عمر بن عطاء: ضعيف، ويشهد لآخره الحديث التالي عن أبي هريرة ﵁. (٣) فمه: مه حرف استفهام بمعنى: "من". (٤) أخرجه البخاري من طريق أبي غسان عن زيد بن أسلم به بلفظ: "فمن" بدل "فمه" وأخرجه مسلم من طريق أبي غسان به مثل لفظ البخاري (صحيح مسلم، العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى ح ٢٦٦٩). (٥) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به بدون الخلاق: الدين، وهذا اللفظ أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي معشر به، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي، ويتقوى أغلبه بما سبق. (٦) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" (ح ٧٣١٩).