للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللِّقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله ، فجاء إلى رسول الله وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله وهو متعلق بنِسْعَة (١) رسول الله (٢).

وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق لأخبرنَّ رسول الله ، فبلغ ذلك رسول الله ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر أنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ الآية (٣). وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو من هذا (٤).

وقال ابن إسحاق، وقد كان من جماعة من المنافقين منهم: وديعة بن ثابت أخو بني أُمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: مخشي بن حمير (٥)، يسيرون مع رسول الله وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا؟ والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال، إرجافًا وترهيبًا للمؤمنين فقال مخْشي بن حُمَيِّر: والله لوددت أن أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وإننا نغلب أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله فيما بلغني لعمار بن ياسر: "أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا" فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحَقَبِها (٦): يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي [عفي] (٧) عنه في هذه الآية مخشي بن حمير فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدًا لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر (٨).


(١) النِسْعَة: سير مضفور يجعل زمامًا للبعير، وقد تُنسج عريضة تجعل على صدر البعير.
(٢) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به، وسنده ضعيف أبي معشر، ويتقوى بالرواية التالية والمراسيل التي تليها.
(٣) أخرجه الطبري عن يونس عن عبد الله بن وهب به، وصحح سنده الأستاذ أحمد شاكر.
(٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن صالح عن الليث به، ويتقوى بسابقه.
(٥) مخشي بن حِمَيْر: ويقال له مُخسِّن، الأشجعي حليف لبني سلمة من الأنصار، كان من المنافقين ومن أصحاب مسجد الضرار، ثم تاب وحسنت توبته وطلب من النبي أن يغير اسمه: فسماه: عبد الله بن عبد الرحمن، فدعا مخشي ربه أن يقتل شهيدًا حيث لا يعلم، فقتل يوم اليمامة ولم يعلم له أثر (أسد الغابة ٤/ ٣٣٨ والإصابة ٣/ ٣٧٢).
(٦) الحَقَب: حبل يُشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ذيله كي لا يجتذبه التصدير (النهاية ١/ ٤١١).
(٧) في الأصل بياض بقدر الكلمة. واستدرك من (عم) و (حم).
(٨) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥) وآخره تقدم في ترجمة مخشي.