صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إليّ منه وذكر تمام الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله ﷺ حتى هزم الله تعالى المشركين (١).
قال محمد بن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه، عن جبير بن مطعم ﵁ قال: إنَّا لَمعَ رسول الله ﷺ يوم حنين، والناس يقتتلون إذ نظرت إلى مثل البجاد (٢) الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي فلم يكن إلا هزيمة القوم فما كنا نشك أنها الملائكة (٣).
وقال سعيد بن السائب بن يسار، عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنينًا مع المشركين ثم أسلم بعد، فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا (٤).
وقد تقدم له شاهد من حديث يزيد بن أبي أسيد، فالله أعلم.
وفي صحيح مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همَّام قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نُصرت بالرعبِ وأُوتيت جوامع الكلم"(٥). ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ قد تاب الله على بقية هوازن فأسلموا وقدموا عليه مسلمين ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يومًا فعند ذلك خيرهم بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم وكانوا ستة آلاف أسير ما بين صبي وامرأة، فردَّه عليهم، وقسم الأموال بين الغانمين، ونفَّل أناسًا من الطلقاء لكي يتألف قلوبهم على الإسلام فأعطاهم مائة من الإبل، وكان من جملة من أعطى مائة مالك بن عوف النّصْري واستعمله على قومه كما كان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله … في الناس كُلِّهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا احتدّى … [ومتى](٦) تشأ يُخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردّت أنيابها … بالسَّمهري وضرب كل مهند
(١) أخرجه البيهقي من طريق محمد بن بكير الحضرمي عن أيوب بن جابر به (دلائل النبوة ٥/ ١٤٦). (٢) البجاد أي: الكساء. (٣) أخرجه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به (دلائل النبوة ٥/ ١٤٦) وسنده ضعيف لإبهام شيخ إسحاق بن يسار. وذكره ابن هشام في السيرة (٤/ ٦٣). (٤) أخرجه البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٣١٦)، والطبري كلاهما من طريق معن بن عيسى عن سعيد بن السائب به، وأخرجه الطبراني من طريق سعيد بن السائب به (المعجم الكبير ٢٢/ ٢٣٧ ح ٦٢٢) قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات (المجمع ٦/ ١٨٢)، وكذا أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٥/ ١٤٣ - ١٤٤). (٥) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، بدون ذكر باب (ح ٥٢٣). (٦) كذا في (عم) و (حم) و (مح) وفي الأصل: "وما".