للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، فلا شيء، وركبت الإبل بعضها بعضًا، فلما رأى رسول الله أمر الناس قال: "يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة" فأجابوه لبيك، لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع إلى رسول الله منهم مائة فاستعرض الناس، فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت الأنصار ثم جعلت آخرًا بالخزرج، وكانوا صبراء عند الحرب وأشرف رسول الله في ركابه فنظر إلى مجتلد القوم (١) فقال: "الآن حميَ الوطيس" (٢) قال: فوالله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله مُلقون، فقتل الله منهم من قتل وانهزم منهم ما انهزم وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم (٣).

وفي الصحيحين من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب أن رجلًا قال له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله لم يفر، إن هوازن كانوا قومًا رماة فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس فلقد رأيت رسول الله وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء وهو يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (٤).

قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه وهو مع هذا على بغلة وليست سريعة الجري ولا تصلح لفرٍّ ولا لِكرِّ ولا لهرب، وهو مع هذا أيضًا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلًا عليه وعلمًا منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به ويظهر دينه على سائر الأديان، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: طمأنينته وثباته على رسوله ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين معه ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: [حدثنا القاسم] (٥) حدثني الحسن بن عرفة قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف هو: ابن أبي جميلة الأعرابي قال: سمعت عبد الرحمن مولى ابن برثن، حدثني رجل كان مع المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله يوم حنين لم يقوموا لنا حلب شاة (٦)، قال: فلمَّا كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله قال: فتلقَّانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا فكانت إياها (٧).


(١) أي ميدان المعركة.
(٢) أي اشتعلت الحرب وقامت المعركة.
(٣) سنده حسن ويشهد له سابق ولاحقه وقد ورد نحوه في سيرة ابن هشام (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٤).
(٤) صحيح البخاري، الجهاد، باب من قاد دابة غيره في الحرب (ح ٢٨٦٤)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب في غزوة حنين (ح ١٧٧٦).
(٥) سقط من الأصل واستدرك من نسخة (مح) وتفسير الطبري.
(٦) كناية عن قلة الوقت.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه مسدد من طريق عوف به بلفظ: فقال:"شاهت الوجوه"، (المطالب =