تارة: يا أصحاب سورة البقرة، فجعلوا يقولون: يا لبيك يا لبيك، وانعطف الناس فتراجعوا إلى رسول الله ﷺ، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه وأرسله ورجع بنفسه إلى رسول الله ﷺ، فلما اجتمعت شرذمة منهم عند رسول الله ﷺ أمرهم ﵇ أن يصدقوا الحملة وأخذ قبضة من تراب بعد ما دعا ربه واستنصره، وقال:"اللَّهم أنجز لي ما وعدتني" ثم رمى القوم بها فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينه وفمه ما يشغله عن القتال، ثم انهزموا فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجدلة (١) بين يدي رسول الله ﷺ(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن يسار، عن أبي همَّام، عن أبي عبد الرحمن الفهري واسمه: يزيد بن أسيد ويقال: يزيد بن أنيس ويقال: كُرزُ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وهو في فسطاطه فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حان الرواح؟ فقال:"أجل" فقال: "يا بلال" فثار من تحت سمرة كأنها ظلها ظل طائر فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال: "أسرج لي فرسي" فأخرج سرجًا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال: فأسرج فركب وركبنا، فصاففناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان (٣)، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله" ثم قال: "يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله" قال: ثم اقتحم عن فرسه فأخذ كفًا من تراب فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" فهزمهم الله تعالى. قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد (٤).
وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة به (٥).
وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله ﷺ إليه، فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انحطّ بهم الوادي في عماية الصبح (٦)، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل، فاشتدت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين يقول: "أيها الناس هلمُّوا إليَّ
(١) أي مطروحة. (٢) أخرج مسلم أغلب هذه القصة (الصحيح، الجهاد والسير، باب في غزوة حنين ح ١٧٧٥ - ١٧٧٦). (٣) أي تقاربت خيل المسلمين مع خيل العدو. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند/ ١٣٤ - ١٣٥ ح ٢٢٤٦٨)، وقال محققوه: حسن لغيره. أي بالشواهد، وأخرجه أبو داود من طريق حماد بن سلمة به (السنن، الأدب، باب الرجل ينادي الرجل … ح ٢٣٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ٤٣٦٠). (٥) دلائل النبوة (٥/ ١٤١)، وأخرجه الحاكم من طريق حماد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٣٠). (٦) أي ظلامه قبل أن يتبين.