وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت يونس يحدث عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف ولن تغلب اثنا عشر ألفأ من قلَّة"(١) وهكذا رواه أبو داود والترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب جدًا لا يسنده أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلًا (٢). وقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره عن أكثم الجوني عن رسول الله ﷺ بنحوه (٣) والله أعلم.
وقد كانت وقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة.
وذلك لما فرغ ﷺ من فتح مكة وتمهدت أمورها وأسلم عامة أهلها وأطلقهم رسول الله ﷺ، فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه وأن أميرهم مالك بن عوف بن النضر، ومعه ثقيف بكمالها وبنو جشم وبنو سعد بن بكر وأوزاع (٤) من بني هلال وهم قليل وناس من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وقد أقبلوا ومعهم النساء والولدان والشاء والنعم وجاؤوا بقضهم وقضيضهم (٥)، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في جيشه الذي جاء معه للفتح وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب ومعه الذين أسلموا من أهل مكة وهم الطلقاء في ألفين، فسار بهم إلى العدو فالتقوا بوادٍ بين مكة والطائف يقال له: حنين، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح انحدروا في الوادي وقد كَمُنت فيه هوازن، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم، ورشقوا بالنبال وأصلتوا السيوف وحملوا حملة رجل واحد كما أمرهم ملكهم فعند ذلك ولَّى المسلمون مدبرين كما قال الله ﷿، وثبت رسول الله ﷺ وهو راكب يومئذٍ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحو العدو، والعباس عمُّه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر يثقلانها لئلا تسرع السير، وهو ينوه باسمه ﵊ ويدعو المسلمين إلى الرجعة ويقول:"إليّ عباد الله إليّ أنا رسول الله" ويقول في تلك الحال: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" وثبت معه أصحابه قريب من مائة، ومنهم من قال: ثمانون. فمنهم أبو بكر وعمر ﵄ والعباس وعلي والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وأيمن بن أُم أيمن وأسامة بن زيد وغيرهم ﵃، ثم أمر ﷺ عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته يا أصحاب الشجرة يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها على أن لا يفرُّوا عنه فجعل ينادي بهم يا أصحاب السمُرة (٦)، ويقول
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤١٩ ح ٢٦٨٢)، قال محققوه: رجاله ثقات رجال الشيخين، وقد اختلف في وصله وإرساله، قال أبو داود أنه مرسل. وأيده الترمذي وابن أبي حاتم فيما رواه عن أبيه أنه مرسل لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي ﷺ (العلل ١/ ٣٤٧). (٢) سنن أبي داود، الجهاد، باب فيما يستحب من الجيوش (ح ٢٦١١)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في السرايا (ح ١٥٥٥). (٣) سنن ابن ماجه، الجهاد، باب السرايا (ح ٢٨٢٧)، والسنن الكبرى ٩/ ٢٦٣ للبيهقي إذ أخرجاه من طريق أبي سلمة العاملي عن الزهري عن أنس، قال: وضعفه البوصيري لضعف العاملي (مصباح الزجاجة ٢/ ٤١٢). (٤) أي: الفرق من الناس. (٥) أي بأجمعهم. (٦) السُمرة من شجر الطلح.