وروى الإمام أحمد وأبو داود واللفظ له من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعِينة (٢) وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (٣).
وروى الإمام أحمد -أيضًا- عن يزيد بن هارون، عن [أبي جناب](٤)، عن شهر بن حوشب، أنه سمع [عبد الله بن عمر](٥)، عن رسول الله ﷺ بنحو ذلك (٦)، وهذا شاهد للذي قبله، والله أعلم.
قال ابن جريج، عن مجاهد: هذه أول آية نزلت من براءة (٧)، يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره لا بعَددهم ولا بعُددهم، ونبههم على أن النصر من عنده سواء قلّ الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئًا، فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله ﷺ ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلًا، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قلّ الجمع فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين.
(١) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ (صحيح البخاري، الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان ح ١٤٠)، وأخرجه مسلم من حديث أنس ﵁ وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (ح ٤٤). (٢) العِينة: هو أن يبيع رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. (٣) أخرجه أبو داود من طريق أبي عبد الرحمن الخراساني به (السنن، البيوع، باب في النهي عن العِينة ح ٣٤٦٢)، وقال الألباني صحيح بمجموع طرقه، صحيح الجامع (ح ١٤) والسلسلة الصحيحة (ح ١١) وذكر فيها ممن قوى الحديث كابن القطان وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والشوكاني وأما الإمام أحمد فقد أخرجه من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٤٨٢٥) وضعفه محققوه في طبعة الرسالة (ح ٤٨٢٥) وقد أخرجه الإمام أحمد من طريق شهر بن حوشب عن ابن عمر (المسند ٩/ ٥١ ح ٥٠٠٧) وضعفه أيضًا محققوه، والحق أن كل من الطريقين يقوي أحدهما الآخر. (٤) كذا في (عم) و (حم) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: "أبي حباب". (٥) كذا في (مح) والمسند، وفي الأصل و (عم) و (حم) والنسخ المطبوعة صُحف إلى عبد الله بن عمرو. (٦) أخرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون به (المسند ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٦ ح ٥٥٦٢ م ١) وضعفه محققوه أيضًا بسبب ضعف أبي جناب وشهر بن حوشب، والحق أن كليهما توبعا في رواية أبي داود ورواية الإمام أحمد من طريق عطاء بن أبي رباح، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: وهذا شاهد للذي قبله. (٧) ابن جريج لم يسمع من مجاهد، وقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، لكنه مرسل.