للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

مرهم عليه، ولهذا كان رسول الله يُحرِّض على القتال، عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عَدَدَهم وعُدَدِهم: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" فقال عُمير بن الحمام: عرضها السّموات والأرض؟ فقال رسول الله : "نعم"، فقال: بخ بخ، فقال: "ما يحملك على قولك بخ بخ؟ " قال: رجاء أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها" فتقدم الرجل، فكسر جفن سيفه، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهنَّ من يده وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهنَّ إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل (١).

وقد روي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر بن الخطاب وكمل به الأربعون (٢). وفي هذا نظر، لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة، وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم.

ثم قال تعالى مبشرًا للمؤمنين وآمرًا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كل واحد بعشرة، ثم نُسخ هذا الأمر وبقيت البشارة.

قال عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الحريث، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شقَّ ذلك على المسلمين، حتى فرض الله عليهم أن لا يفرَّ واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر، بقدر ما خفف عنهم، وروى البخاري من حديث ابن المبارك نحوه (٣).

وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية: قال: كتب عليهم أن لا يفرَّ عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّه عَنْكُم وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين.

وروى البخاري، عن علي بن عبد الله، عن سفيان به نحوه (٤).

وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفًا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم، لم يسغ لهم أن يفرُّوا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب


(١) أخرجه مسلم من حديث أنس (الصحيح، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد ح ١٩٠١).
(٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٢/ ٦٠ ح ١٢٤٧٠)، والواحدي (أسباب النزول ص ٢٣٤)، كلاهما من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي، حدثنا خلف بن خليفة عن الرماني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وسنده ضعيف جدًا لأن إسحاق بن بشر كذاب يضع الحديث (المجروحين لابن حبان ١/ ١٣٥، وتاريخ بغداد ٦/ ٣٢٨)، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير وهو مرسل، وقول سعيد بن المسيب أخرجه أبو الشيخ كما قال السيوطي في الدر المنثور.
(٣) صحيح البخاري، تفسير سورة الأنفال، باب "الآن خفف الله عنكم … " (ح ٤٦٥٣).
(٤) المصدر السابق (ح ٤٦٥٢).