للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

طالب ، قال: قال رسول الله : "إنه سيكون اختلاف أو أمر فإن استطعت أن يكون السِّلم (١) فافعل" (٢).

وقال مجاهد: نزلت في بني قريظة (٣)، وهذا فيه نظر، لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها مكتنف لهذا كله، وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [التوبة: ٢٩] الآية (٤)، وفيه نظر أيضًا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفًا فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلَّت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبيُّ يوم الحُديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم.

وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة، ليتقووا ويستعدوا ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ أي: كافيك وحده،

ثم ذكر نعمته عليه مما أيده به من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: جمعها على الإيمان بك، وعلى طاعتك ومناصرتك وموازرتك، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: لما كان بينهم من العداوة والبغضاء فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، بين الأوس والخزرج، وأمور يلزم منها التسلسل في الشر، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)[آل عمران].

وفي الصحيحين: "أن رسول الله لما خطب الأنصار، في شأن غنائم حُنين، قال لهم: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ " كلما قال شيئًا، قالوا: الله ورسوله أمَنُّ" (٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز الجناب، فلا يخيب رجاء من توكل عليه، حكيم في أفعاله وأحكامه.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا علي بن بشر الصيرفي


(١) أي: المسالم.
(٢) أخرجه عبد الله في زوائد أبيه بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٠٦ ح ٦٩٥)، وضعفه محققوه بسبب فضيل بن سليمان وهو: صدوق كثير الخطأ. وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٧/ ٢٣٤).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس، وقول ابن عباس وعطاء الخراساني هو قول واحد أخرجه ابن أبي حاتم وابن الجوزي (نواسخ القرآن: ١٦٧)، كلاهما بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس. وقول عكرمة والحسن البصري أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق يزيد النحوي عنهما (نواسخ القرآن: ١٦٨)، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الطائف (ح ٤٣٣٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦١).