للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش، وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتى عَلت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهَّاب.

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾.

يقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهيًا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم، بطرًا أي دفعًا للحق، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل: لما قيل له: إن العير قد نجا فارجعوا، فقال: لا والله لا نرجع، حتى نرِد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان (١)، وتتحدث العرب بمكاننا فيها يومنا أبدًا (٢)، فانعكس ذلك عليه أجمع، لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحِمام، ورُموا في أطواء بدر مهانين أذلاء، صَغَرة أشقياء في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بما جاؤوا به وله، ولهذا جازاهم عليه شرَّ الجزاء لهم.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ قالوا: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله يوم بدر (٣).

وقال محمد بن كعب: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر، خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ الآية، حسَّن لهم - لعنه الله - ما جاؤوا له وما همُّوا به، وأطمعهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر، فقال: إني جار لكم، وذلك أنه تبدَّى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، سيد بني مدلج كبير تلك الناحية (٤)، وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)[النساء].

قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر، سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحدًا لن يغلبكم، ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾، فلما التقوا


(١) أي الجواري.
(٢) تقدم تخريجه من السيرة النبوية لابن هشام.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بقول مجاهد وقتادة والسدي إذ أخرجه الطبري عنهم بأسانيد ثابتة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه.