وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا ثابت بن زيد، عن رجل، عن زيد بن أرقم، عن النبي ﷺ مرفوعًا، قال:"إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة"(١).
وفي الحديث الآخر المرفوع، يقول الله تعالى:"إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قرنه"(٢) أي: لا يشغله ذلك الحال، عن ذكري ودعائي واستعانتي.
وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في هذه الآية، قال: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون عند الضِّراب بالسيوف (٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: وجب الإنصات وذكر الله عند الزحف، ثم تلا هذه الآية، قلت: يجهرون بالذكر؟ قال: نعم (٤).
وقال أيضًا: قرأ عليَّ يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش، عن يزيد بن قوذر، عن كعب الأحبار، قال ما من شيء أحبُّ إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾؟ (٥).
قال الشاعر:
ذكرتك والخطى يخطُر بيننا … وقد نهلت فينا المثقَّفة السُّمر
وقال عنترة:
ولقد ذكرتك والرماح شواجر … فينا وبيض الهند تقطر من دمي
فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفرُّوا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به ويتوكلوا عليه ويسألوه النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك، فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا فيختلفوا فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم وحدتكم، وما كنتم فيه من الإقبال، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقد كان للصحابة ﵃ في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول ﷺ وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٥/ ٢١٣) وسنده ضعيف لإبهام شيخ ثابت بن زيد. (٢) أخرجه الترمذي من حديث عمارة بن زعكرة وقال: ليس إسناده بالقوي (السنن، الدعوات ح ٣٥٨٠). (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد به. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده يزيد بن قوذر سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٩/ ٢٨٤).