العرب وبمسيرنا، فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدًا. فقال الأخنس بن شريق: يا معشر بني زهرة، إن الله قد أنجى أموالكم ونجى صاحبكم فارجعوا فرجعت بنو زهرة، فلم يشهدوها، ولا بنو عدي (١).
قال محمد بن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: وبعث رسول الله ﷺ حين دنا من بدر، علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام في نفر من أصحابه يتجسسون له الخبر، فأصابوا سقاة لقريش غلامًا لبني سعيد بن العاص، وغلامًا لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله ﷺ، فوجدوه يصلِّي فجعل أصحاب رسول الله ﷺ يسألونهما لمن أنتما؟ فيقولان: نحن سقاة لقريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فضربوهما، فلما أذلقوهما (٢) قالا: نحن لأبي سفيان فتركوهما، وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتين ثم سلم، وقال:"إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش" قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل، فقال لهما رسول الله ﷺ:"كم القوم؟ " قالا: كثير. قال:"ما عدتهم؟ " قالا: ما ندري. قال:"كم ينحرون كل يوم؟ " قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، قال رسول الله ﷺ:"القوم ما بين التسعمائة إلى الألف" ثم قال لهما: "فمن فيهم من أشراف قريش؟ " قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأُمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ودّ، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال:"هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها"(٣).
قال محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أن سعد بن معاذ قال لرسول الله ﷺ: لما التقى الناس يوم بدر يا رسول الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، وننيخ إليك ركائبك، ونلقى عدونا؟ فإن أظفرنا الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحب، وإن تكن الأخرى، فتجلس على ركائبك وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبًا منهم، لو علموا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، ويوادونَك وينصرونك. فأثنى عليه رسول الله ﷺ خيرًا، ودعا له به فبني له عريش، فكان فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر، ما معهما غيرهما (٤).
قال ابن إسحاق: وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما أقبلت ورآها رسول الله ﷺ تصوب من العقنقل - وهو الكثيب - الذي جاؤوا منه إلى الوادي، فقال:"اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم (٥) الغداة"(٦).
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٧ - ٦١٩. (٢) أي: بالغوا في ضربهما. (٣) سنده حسن لكنه مرسل، وورد في سيرة ابن هشام ١/ ٦١٦ - ٦١٧. (٤) سنده منقطع لأن عبد الله بن أبي بكر لم يسمع من سعد بن معاذ. وذكره ابن هشام بسنده بنحوه (السيرة النبوية ١/ ٦٢٠ - ٦٢١). (٥) أي أهلكهم. (٦) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٢١.