للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة، ﴿وَهُمْ﴾ أي: المشركون نزول ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ أي: البعيدة من المدينة إلي ناحية مكة، ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة، ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: مما يلي سيف البحر، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ أي: أنتم والمشركون إلى مكان ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾.

قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، في هذه الآية، قال: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم، ما لقيتموهم ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله، من غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه (١).

وفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد (٢).

وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق، قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء، ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقى السقاة، ونهد (٣) الناس بعضهم لبعض (٤).

وقال محمد بن إسحاق في السيرة: ومضى رسول الله على وجهه ذلك، حتى إذا كان قريبًا من الصفراء، بعث بسبس بن عمرو وعَدي بن أبي الزغباء الجهنيين، يلتمسان الخبر عن أبي سفيان، فانطلقا حتى إذا وردا بدرًا، فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء، فاستقيا في شن (٥) لهما من الماء، فسمعا جاريتين تختصمان، تقول إحداهما لصاحبتها اقضيني حقي، وتقول الأخرى: إنما تأتي العير غدًا أو بعد غد فأقضيك حقك، فخلص بينهما مجدي بن عمرو، وقال: صدقت، فسمع بذلك بسبس وعدي، فجلسا على بعيريهما حتى أتيا رسول الله ، فأخبراه الخبر، وأقبل أبو سفيان حين ولّيا وقد حذر، فتقدم أمام عيره، وقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟ فقال: لا والله، إلا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل فاستقيا من شن لهما ثم انطلقا، فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما، فأخذ من أبعارهما ففته فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، ثم رجع سريعًا فضرب وجه عيره فانطلق بها فسَاحَل (٦)، حتى إذا رأى أنه قد أحرز عيره إلى قريش فقال: إن الله قد نجَّى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نأتي بدرًا - وكانت بدر سوقًا من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثًا فنطعم بها الطعام، وننحر بها الجزر، ونسقى بها الخمر، وتعزف علينا القيان (٧)، وتسمع بنا


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به وابن إسحاق صرح بالتحديث.
(٢) أخرجه البخاري (الصحيح، المغازي، باب قصة بدر ح ٣٩٥١).
(٣) أي نهضوا إلى القتال.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٥) أي قربة ماء بالية.
(٦) أي: سار بالقافلة نحو الساحل.
(٧) أي الجواري.