وقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، قال محمد بن إسحاق: أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك (١).
وهذا تفسير جيد. وبسط ذلك أنه تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد، على غير ميعاد، لينصركم عليهم ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصيّر الأمر ظاهرًا والحجة قاطعة والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة، ولا شبهة، فحينئذٍ يهلك من هلك أي يستمر في الكفر من استمر فيه، على بصيرة من أمره، إنه مبطل لقيام الحجة عليه، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ أي: يؤمن من آمن ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ ي: حجة وبصيرة والإيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقالت عائشة في قصة الإفك: فهلك فيّ من هلك (٢)، أي قال فيها ما قال من البهتان والإفك.
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ أي: لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به، ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بكم، وأنكم تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين.
قال مجاهد: أراهم الله إياه في منامه قليلًا، وأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم (٣)، وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد (٤)، وحكى ابن جرير عن بعضهم، أنه رآهم بعينه التي ينام بها (٥).
وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن موسى [التستري](٦) حدثنا أبو قتيبة، عن سهل السراج، عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ قال بعينك (٧)، وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام ههنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه، وقوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ أي: لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: من ذلك، بأن أراكهم قليلًا ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تكنُّه الضمائر وتنطوي عليه الأحشاء، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر].
وقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ وهذا أيضًا من لطفه تعالى بهم، إذ أراهم إياهم قليلًا في رأي العين، فيجرُّؤهم عليهم ويطمعهم فيهم.
قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد قُلِّلوا في
(١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٧٢ - ٦٧٣. (٢) ستأتي القصة بطولها في تفسير سورة النور آية ١١. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق. (٥) ذكره الطبري بصيغه: زعم بعضهم. (٦) كذا في تفسير ابن أبي حاتم، وفي (مح): السدي وهو تصحيف. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وقد استغربه الحافظ ابن كثير لأنه خالف التصريح بالمنام.