للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

والفيء: ما أخذ منهم بغير ذلك، كالأموال التي يصالحون عليها أو يتوفون عنها، ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء السلف والخلف.

ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة، وبالعكس أيضًا، ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر: ٧]، قال: فنسخت آية الأنفال تلك، وجعلت الغنائم أربعة أخماس للمجاهدين، وخمسًا منها لهؤلاء المذكورين (١)، وهذا الذي قاله بعيد، لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة، أن بني النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة، يقول: تلك نزلت في أموال الفيء، وهذه في الغنائم، ومن يجعل أمر الغنائم والفيء راجعًا إلى رأي الإمام، يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس، إذا رآه الإمام والله أعلم.

فقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ توكيد لتخميس كلِّ قليل وكثير حتى الخيط والمخيط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ اختلف المفسرون ههنا:

فقال بعضهم: لله نصيب من الخمس يجعل في الكعبة.

قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية الرياحي، قال: كان رسول الله ، يؤتى بالغنيمة فيخمسها على خمسة، تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل (٢).

وقال آخرون: ذكر الله ههنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله .

قال الضحاك، عن ابن عباس : كان رسول الله إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة، فضرب ذلك الخمس في خمسة، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فأن لله خمسه، مفتاح كلام ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فجعل سهم الله وسهم الرسول واحدًا (٣). وهكذا قال إبراهيم النخعي والحسن بن محمد بن الحنفية، والحسن البصري والشعبي وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة وقتادة ومغيرة وغير واحد، أن سهم الله ورسوله واحد (٤).


(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي به وسنده جيد لكنه مرسل.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، وتشهد له الآثار التالية.
(٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول عطاء فقد أخرجه بسند حسن من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء، وقول إبراهيم النخعي والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وقتادة أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.