للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخافوا عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم، فلما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة عن رسول الله وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي التي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله قبل أرض الحبشة مخافتها، وفرارًا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال، فلما استرخى عنهم ودخل في الإسلام من دخل منهم تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله أنه قد استرخى عمَّن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكة وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون، وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا الإسلام بالمدينة، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله بمكة، فلما رأت قريش ذلك، [تذامرت] (١) على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت الفتنة الآخرة، فكانت فتنتان:

فتنة: أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم النبي بها، وأذن لهم في الخروج إليها.

وفتنة: لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة، ثم إنه جاء رسول الله من المدينة سبعون نقيبًا، رؤوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم ومواثيقهم، على أنَّا منك وأنت مِنَّا، وعلى أن من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدَّت عليهم قريش، عند ذلك، فأمر رسول الله أصحابه، أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله أصحابه، وخرج هو، وهي التي أنزل الله ﷿ فيها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (٢)، ثم رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عروة بن الزبير، أنه كتب إلى الوليد يعني: ابن عبد الملك بن مروان بهذا، فذكر مثله (٣)، وهذا صحيح إلى عروة .

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾.

يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصًا لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة بإحلال الغنائم. والغنيمة: هي المال المأخوذ من الكفار، بإيجاف الخيل والركاب.


(١) كذا في تفسير الطبري، وفي الأصل: توامرت.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الأستاذ محمود شاكر ولقد أشار إلى كتاب عروة في السيرة، وعزم أن يجمعه .
(٣) أخرجه الطبري عن يونس بسنده مختصرًا على مطلع كتاب عروة. والسند الأول أقوى، وصححه الحافظ ابن كثير أيضًا.