للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

شجاعة ويقاتل حميَّة، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله ﷿؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ﷿" (١).

وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: بقتالكم عما هم فيه من الكفر فكفُّوا عنه، وإن لم تعلموا بواطنهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)[البقرة].

وفي الصحيح أن رسول الله قال لأسامة، لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال: لا إله إلا الله فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله فقال لأسامة: "أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة، فقال يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: "هلا شققت عن قلبه؟ " وجعل يقول ويكرر عليه: "من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ " قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذٍ (٢).

وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ أي: وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم فاعلموا أن الله مولاكم، وسيدكم وناصركم على أعدائكم فنعم المولى ونعم النصير.

وقال محمد بن جرير: حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أبان العطار، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء فكتب إليه عروة: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإنَّك كتبت إلي تسألني، عن مخرج رسول الله من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كان من شأن خروج رسول الله من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبيّ ونعم السيد ونعم العشيرة، فجزاه الله خيرًا، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته وأماتنا وبعثنا عليها، وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله به من الهدى والنور الذي أنزل عليه لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه، وكانوا يسمعون له، حتى إذا ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطَّائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال وأغروا به من أطاعهم، فانعطف عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن وعصم الله ما شاء منهم، فلما فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح، يقال له: النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش يتجرون فيها، وكانت مساكن لتجارهم يجدون فيها رفاغًا من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا، فأمرهم بها النبي ،


(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة، آية ١٩٢.
(٢) صحيح البخاري، الجهاد والسير، باب بعث النبي أسامة بن زيد (ح ٢٨١٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله (ح ٩٦).