للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر (١)، وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ الآية [يونس: ٢٨]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)[الروم]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)[يس] ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون اللّام معللة لما جعل الله للكافرين من مال ينفقونه في الصدِّ عن سبيل الله أي: إنما أقدرناهم على ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران: ١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)[آل عمران] ونظيرتها في براءة أيضًا، فمعنى الآية على هذا: إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَالْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ﴾ أي: يجمعه كله وهو جمع الشيء بعضه على بعض كما قال تعالى في السحاب ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور: ١٤٣] أي: متراكمًا متراكبًا ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾.

يقول تعالى لنبيه محمد : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ أي: عمَّا هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد، ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة يغفر لهم ما قد سلف أي من كفرهم، وذنوبهم وخطاياهم كما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن ابن مسعود أن رسول الله قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" (٢)، وفي الصحيح أيضًا أن رسول الله قال: "الإسلام يجبُّ ما قبله والتوبة تجبُّ ما كان قبلها" (٣).

وقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ أي: يستمروا على ما هم فيه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: فقد


(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، باب إثم من أشرك بالله (ح ٦٩٢١) وصحيح مسلم الإيمان، باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية؟ (ح ١٢٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسند عن عمرو بن العاص مرفوعًا بلفظ: "إن الإسلام يجبُّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبُّ ما كان قبلها"، (المسند ٢٩/ ٣٤٩ ح ١٧٨١٣) قال محققوه: الشطر الأول منه حسن، وأخرج مسلم في صحيحه من حديث عمر: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله"، (الصحيح، الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله ح ١٢١).