للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة (١).

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾.

قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلُّهم (٢) إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدًا قد وتركم (٣) وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلَّنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منا ففعلوا، قال: ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٤)، وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير والحكم بن عُتيبة وقتادة والسدي وابن أبزى: أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول الله (٥).

وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر (٦). وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًا فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك ثم تذهب أموالهم ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي ندامة حيث لم تجد شيئًا لأنهم أرادوا إطفاء نور الله، وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متمُّ نوره ولو كره الكافرون وناصر دينه ومعلن كلمته ومظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي، ولهذا قال: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء (٧).


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أي المنهزمون.
(٣) أي أدرك فيكم مكروهًا بالقتل.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، ولكنه مرسل وهذه المراسيل وما يتلوها من مراسيل أخرى يقوي بعضها بعضًا.
(٥) أخرجه الطبري عن مجاهد وقتادة والسدي بأسانيد ثابتة.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، ويشهد له ما سبق من الآثار.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.