للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أنَّا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة.

قال مجاهد في قوله: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي في قريش يوم بدر وغيرها من الأمم (١).

وقال السدي ومحمد بن إسحاق: أي يوم بدر (٢).

وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال البخاري: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن يحيى، حدثنا حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا جاء فقال: يا أبا عبد الرحمن ألا تصنع ما ذكر الله في كتابه ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية [الحجرات: ٩] فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا بن أخي أُعيَّر بهذه الآية، ولا أقاتل أحبُّ إليَّ من أن أُعيَّر بالآية التي يقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] إلى آخر الآية قال: فإن الله تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله إذ كان الإسلام قليلًا، وكان الرجل يُفتن في دينه إما أن يقتلوه وإما أن يوثقوه حتى كثُر الإسلام فلم تكن فتنة، فلمَّا رأى أنه لا يوافقه فيما يريد قال: فما قولكم في علي وعثمان؟ قال ابن عمر: أما قولي في علي وعثمان، أما عثمان فكان الله قد عفا عنه وكرهتم أن يعفو الله عنه، وأما علي فابن عمِّ رسول الله وختنه وأشار بيده وهذه ابنته أو بنته حيث ترون (٣).

وحدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا بيان، أن ابن وبرة حدثه قال: حدثني سعيد بن جبير قال: خرج علينا أو إلينا ابن عمر فقال: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك (٤).

هذا كله سياق البخاري رحمه الله تعالى وقال عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس قد صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر بن الخطاب، وأنت صاحب رسول الله فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرَّم عليَّ دم أخي المسلم. قالوا: أو لم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؟ قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين كلُّه لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. وكذا روى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أيوب بن عبد الله اللخمي، قال: كنت عند عبد الله بن عمر ، فأتاه رجل فقال: إن الله يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى


(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، (الصحيح، تفسير سورة الأنفال، باب قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] (ح ٤٦٥٠).
(٤) كسابقه (ح ٤٦٥١).