للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

واختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين لوقع بهم البأس الذي لا يرد، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك، كما قال تعالى في يوم الحديبية: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)[الفتح].

قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى قال: كان النبي بمكة فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، قال: فخرج النبي إلى المدينة فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، قال: وكان أولئك البقيَّة من المسلمين الذين بقوا فيها مستضعفين، يعني: بمكة ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فلما خرجوا أنزل الله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾، قال: فأذن الله في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم (١). وروي عن ابن عباس وأبي مالك والضحاك وغير واحد نحو هذا (٢).

وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، على أن يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم.

قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾، فنسختها الآية التي تليها ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، فقوتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والضر (٣)، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي تميلة يحيى بن واضح (٤).

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثم استثنى أهل الشرك فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ أي: وكيف لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام (٥)؟ أي: الذي بمكة يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فيه والطواف به، ولهذا


(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال ابن أبزى.
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول الضحّاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سفيان بن وكيع، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي آخره بلفظ: "الجوع والحصر"، وفي سنده ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف وقد توبع فأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أحمد بن إسماعيل بن أبي ضرار عن أبي تميلة يحيى بن واضح به، وسنده حسن وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.
(٤) كما في السند السابق.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف، ومعناه صحيح.