قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صحّ أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعمُّ الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الأمانة، الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني الفريضة. يقول: ﴿لَا تَخُونُوا﴾ لا تنقصوها (١). وقال في رواية: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، يقول بترك سنته وارتكاب معصيته (٢).
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في هذه الآية، أي لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السرِّ إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم (٣).
وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم، وقال أيضًا: كانوا يسمعون من النبي ﷺ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين (٤).
وقال عبد الرحمن بن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرَّسول كما صنع المنافقون (٥).
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أو تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن] وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٤].
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئًا، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة.
وفي الأثر يقول الله تعالى: يا ابن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فِتُّك فاتك كل شيء، وأنا أحبُّ إليك من كل شيء.
وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال:"ثلاث من كُنَّ فيه، وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومن كان يحبُّ المرء لا يحبُّه إلا لله، ومن كان أن يلقى في النَّار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه"(٦)، بل حبُّ رسول الله ﷺ مقدَّم على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به. (٤) أخرجه الطبري بسنده عن السدي مرسلًا. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن. (٦) صحيح البخاري، الإيمان، باب حلاوة الإيمان (ح ١٦) وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان (ح ٦٧).