للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

النبي : "اللَّهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" (١). ولهذا قال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: ذلك يوم بدر فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر - أحسبه قال - فلا بأس عليه (٢).

وقال ابن المبارك أيضًا، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فرَّ يوم بدر النار قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين قال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) [التوبة: ٢٧].

وفي سنن أبي داود والنسائي ومستدرك الحاكم وتفسير ابن جرير وابن مردويه من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: إنما أنزلت في أهل بدر (٤)، وهذا كلُّه لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دلَّ عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات (٥) كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم.

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾.

يُبيِّن تعالى أنه خالق أفعال العباد وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير، لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم عليه ولهذا قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثر عددهم وقلّة عددكم. أي: بل هو الذي أظفركم عليهم كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)[التوبة] يعلم أن النصر ليس على كثرة العدد ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من عنده تعالى كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩].

ثم قال تعالى لنبيه أيضًا في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته فرماهم بها وقال: "شاهت الوجوه" (٦)،


= ألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٠٦)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٢٧).
(١) أخرجه مسلم من حديث عمر (الصحيح، الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ح ١٧٦٣).
(٢) أخرجه ابن المبارك به (الجهاد ٢٣٢) وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بما سبق.
(٣) سنده ضعيف لإرسال يزيد بن أبي حبيب.
(٤) تقدم تخريجه وصحته قبل روايتين.
(٥) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٦) سيأتي تخريجه من عدة طرق في تفسير هذه الآية.