للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ﴾ أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

وقال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبد الله بن عمر الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، حدثنا جبلة بن سُحيم، عن أبي المثنى العبدي سمعت السدوسي - يعني: ابن الخصاصية وهو بشير بن معبد - قال: أتيت النبي لأبايعه فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحجَّ حجَّة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولّى الدبر فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت، والصدقة فوالله ما لي إلا غنيمة وعشر ذَوْدٍ هنّ رِسلُ أهلي وحمولتهم، فقبض رسول الله يده ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذًا؟ " قلت: يا رسول الله أنا أبايعك فبايعته عليهن كلهنَّ (١)، هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه في الكتب الستة. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث، عن ثوبان مرفوعًا عن النبي قال: "ثلاثة لا ينفع معهنَّ عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف" (٢). وهذا أيضًا حديث غريب جدًا.

وقال الطبراني أيضًا: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الشني، حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى رسول الله قال: سمعت أبي يحدث عن جدي قال: قال رسول الله : "من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه غفر له، وإن كان قد فرّ من الزحف" (٣). وهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به وأخرجه الترمذي، عن البخاري، عن موسى بن إسماعيل به وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قلت: ولا يعرف لزيد مولى النبي عنه سواه.

وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حرامًا على الصحابة لأنه كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة يروى هذا عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي نضرة ونافع مولى ابن عمر وسعيد بن جبير والحسن البصري وعكرمة وقتادة والضحّاك وغيرهم (٤)، وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك كما قال


(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٣٦/ ٢٨٤ (ح ٢١٩٥٢)، قال الهيثمي: ورجال أحمد موثقون (المجمع ١/ ٤٢).
(٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ٩٥)، وضعفه الهيثمي لضعف يزيد بن ربيعة (المجمع ١/ ١٠٤).
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٥/ ٨٩ ح ٤٦٧٠)، وأخرجه أبو داود من طريق موسى بن إسماعيل به (السنن، الصلاة، باب في الاستغفار ح ١٥١٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٣٤٣)، وكذا الترمذي أخرجه من طريق موسى بن إسماعيل به (السنن، الدعوات، باب في دعاء الضيف ح ٣٥٧٧).
(٤) بعض هذه الأقوال أخرجها الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد ثابتة، وقول أبي سعيد أخرجه أبو داود من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد، وهو الخدري، (السنن، الجهاد، باب في التولي يوم الزحف ح ٢٦٤٨)، وصححه =