والعزى، فأوحى الله إلى الملائكة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ الآية، فقتل أبو جهل لعنه الله في تسعة وستين رجلًا، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرًا فوفى ذلك سبعين - يعني قتيلًا - (١). ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق، ومأخوذ أيضًا من شقِّ العصا وهو جعلها فرقتين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه لا يفوته شيء ولا يقوم لغضبه شيء، ﵎ لا إله ولا ربَّ سواه
﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ هذا خطاب للكفار أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضًا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة.
يقول تعالى متوعدًا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أي: تقاربتم منهم ودنوتم إليهم ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: تفرُّوا وتتركوا أصحابكم
﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أي: يفرُّ بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه قد خاف منه فيتبعه ثم يكرُّ عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك نصّ عليه سعيد بن جبير والسدّي (٢).
وقال الضحّاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرَّة من العدو فيصيبها ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أي: فرَّ من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونونه (٣) فيجوز له ذلك حتى لو كان في سرية ففرَّ إلى أميره أو الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة.
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله ﷺ فحاص الناس حيصة (٤)، فكنت فيمن حاص، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة، فبتنا، ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال:"من القوم؟ " فقلنا: نحن الفرَّارون فقال: "لا بل أنتم العكّارون (٥) أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين" قال: فأتيناه حتى قَبَّلنا يده (٦). وهكذا رواه أبو
(١) سنده ضعيف بسبب ضعف عطية العوفي، ويتقوى بآثار سابقه نصّت على القصة. (٢) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك، ويشهد له سابقاه. (٤) أي جالوا جولة يطلبون الفرار. (٥) أي الكرارون إلى الحرب. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٢٨٢ ح ٥٣٨٤)، وضعف سنده محققوه لضعف يزيد بن أبي زياد.