المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤].
وقال وكيع، عن المسعودي، عن القاسم قال: قال النبي ﷺ: "إني لم أبعث لأعذِّب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الرِّقاب وشدِّ الوثاق" (١).
واختار ابن جرير أنها قد تدلُّ على ضرب الرِّقاب وفلق الهام.
قلت: وفي مغازي الأموي أن رسول الله ﷺ جعل يمرُّ بين القتلى يوم بدر فيقول: "نفلِّق هامًا" فيقول أبو بكر:
من رجال أعزَّة علينا … وهم كانوا أعقُّ وأظلما (٢)
فيبتدئ رسول الله ﷺ بأول البيت، ويستطعم أبا بكر ﵁ إنشاد آخره، لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩].
وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به (٣).
وقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ وقال ابن جرير: معناه واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كلَّ طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر (٤):
ألا ليتني قطعت منِّي بنانةً … ولاقيتهُ في البيت يقظانَ حاذرا (٥)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني: بالبنان الأطراف (٦). وكذا قال الضحاك وابن جريج (٧).
وقال السدي البنان: الأطراف، ويقال كل مفصل.
وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى: كل مفصل (٨).
وقال الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال: اضرب منه الوجه والعين وارمه بشهاب من نار فإذا أخذته حرم ذلك كلّه عليك (٩).
وقال العوفي، عن ابن عباس: فذكر قصَّة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلًا ولكن خذوهم أخذًا حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم في دينكم، ورغبتهم عن اللّات
(١) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه، وسنده مرسل (المصنف ١٢/ ٣٩٠).
(٢) قاله الحصين بن الهمام المري كما في الشعر والشعراء لابن قتيبة ٢/ ٦٤٨.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.
(٤) هو العباس بن مرداس السلمي كما في مجاز القرآن ١/ ٢٤٢.
(٥) ذكره الطبري باختصار.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٧) قول الضحاك وابن جريج أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة ويشهد له سابقه.
(٨) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يزيد النحوي عنه وقول عطية العوفي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق هقل بن زياد عن الأوزاعي.