وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار وتلبَّدت به الأرض وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم (١).
وقال ابن جرير: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة، عن علي ﵁ قال: أصابنا من الليل طشُّ من المطر - يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشحر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ وحرَّض على القتال (٢).
وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: من حدث أصغر أو أكبر وهو تطهير الظاهر ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من وسوسة أو خاطر سيء وهو تطهير الباطن كما قال تعالى في حق أهل الجنَّة ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] فهذا زينة الظاهر ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] أي: مطهِّرًا لما كان من غلٍّ أو حسد أو تباغض وهو زينة الباطن وطهارته ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء وهو شجاعة الباطن ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه نعمة خفيَّة أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنه تعالى وتقدَّس وتبارك وتمجَّد أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبِّتوا الذين آمنوا.
قال ابن إسحاق: وآزروهم (٣). وقال غيره: قاتلوا معهم. وقيل: كثَّروا سوادهم. وقيل: كان ذلك بأن المَلك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي ﷺ فيقول: سمعت هؤلاء القوم - يعني: المشركين - يقولون: واللهِ لئن حملوا علينا لننكشفنَّ، فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك فتقوى أنفسهم (٤) حكاه ابن جرير وهذا لفظه بحروفه.
وقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: ثبِّتوا أنتم المؤمنين وقووا أنفسهم على أعدائهم عن أمري لكم بذلك سألقي الرعب والذلَّة والصَغار على من خالف أمري وكذَّب رسولي ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي: اضربوا الهام ففلِقوها، واحتزوا الرقاب فقطِّعوها، وقطِّعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم.
وقد اختلف المفسرون في معنى ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ فقيل: معناه اضربوا الرؤوس، قاله عكرمة (٥).
وقيل: معناه: أي على الأعناق وهي: الرقاب، قاله الضحاك وعطية العوفي (٦). ويشهد لهذا
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وصحح سنده الأستاذ أحمد شاكر. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير. (٤) ذكره الطبري بلفظه. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد بن سعيد النحوي عن عكرمة. (٦) قول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وقول عطية أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عنه.