للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وأولياءهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا.

﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي ثم يقول: يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف.

ومعنى قوله: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: من إغوائهم، وإضلالهم، كقوله تعالى:

﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)[يس].

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ يعني: أضللتم منهم كثيرًا (١) وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة (٢).

﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ يعني: أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن الحسن في هذه الآية، قال: استكثرتم من أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإنس: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض، إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس (٣).

وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾: قال الصحابة: في الدنيا (٤).

وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا به يوم القيامة (٥).

وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان فيما ذكر، ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون: قد سدنا الإنس والجن.

﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ قال السدي: يعني الموت (٦).

﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾ أي: مأواكم ومنزلكم أنتم وإياهم وأولياؤكم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها مكثًا مخلدًا إلا ما شاء الله، قال بعضهم: يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ.

وقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا، وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها، عند قوله تعالى في سورة هود، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا


(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف، ويتقوى بسابقيه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مقطعًا، وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب، وسنده ضعيف بسبب ضعف موسى بن عبيدة.
(٥) ذكره السيوطي ونسبه إلى ابن المنذر وأبي الشيخ في تفسيريهما (الدر ٦/ ٢٠٢).
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.