للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال الأوزاعي: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقًا ان يكون مسلمًا؟ (١).

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه عن وصول الإيمان إليه، يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء وعجزه عنه، لأنه ليس في وسعه وطاقته، وقال: في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقًا حرجًا، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله، ممن أبى الإيمان بالله ورسوله فيغويه ويصده عن سبيل الله.

وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرجس الشيطان (٢).

وقال مجاهد: ﴿الرِّجْسَ﴾: كل ما لا خير فيه (٣).

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرجس العذاب (٤).

﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾.

لما ذكر تعالى طريق الضالين عن سبيله الصادّين عنها، نبه على شرف ما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، فقال تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ منصوب على الحال، أي هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن هو صراط الله المستقيم، كما تقدم في حديث الحارث عن علي في نعت القرآن: هو صراط الله المستقيم وحبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، رواه أحمد والترمذي بطوله (٥).

﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: وضحناها وبيناها وفسرناها ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله

﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ وهي الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة، وإنما وصف الله الجنة ههنا بدار السلام، لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سَلِموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي: حافظهم وناصرهم ومؤيدهم ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: جزاء على أعمالهم الصالحة، تولاهم وأثابهم الجنة بمنه وكرمه.

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾.

يقول تعالى: واذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتنذرهم به ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: الجن


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الوليد بن مزيد البيروتي.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بلفظ: "الرجس: عذاب الله".
(٥) تقدم في تفسير سورة الفاتحة آية ٦.