للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

من الله، وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما جاؤوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله صغار وهو الذِّلة الدائمة، لما أنهم استكبروا فأعقبهم ذلك ذلًا يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي: صاغرين ذليلين حقيرين.

وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ لما كان المكر غالبًا إنما يكون خفيًا، وهو التلطف في التحيّل والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد، جزاء وفاقًا، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)[الطارق] أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر، وجاء في الصحيحين عن رسول الله ، أنه قال: "ينصب لكل غادر لواء عند استّه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (١). والحكمة في هذا أنه لما كان الغدر خفيًا لا يطلع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علمًا منشورًا على صاحبه بما فعل.

﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾.

يقول تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك فهذه علامات على الخير، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)[الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].

وقال ابن عباس في قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يقول تعالى: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به (٢)، وكذا قال أبو مالك وغير واحد وهو ظاهر.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: سئل رسول الله أي المؤمنين أكيس؟ قال: "أكثرهم ذكرًا للموت وأكثرهم لما بعده استعدادًا" قال: وسئل النبي عن هذه الآية ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ قال: "نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح" قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت" (٣).

وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، عن سفيان - يعني الثوري -، عن عمرو بن مرة،


(١) أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر (صحيح البخاري، الجزية والموادعة، باب إثم الغادر للبر والفاجر ح ٣١٨٨) وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم الغدر (ح ١٧٣٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس، ولكن في سنده حفص بن عمر العدني وهو ضعيف (التقريب ص ١٧٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا بسبب أبي جعفر وهو: عبد الله بن المسور بن عبد الله بن عون بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدائني متهم بالكذب والوضع (تاريخ بغداد ٥/ ١٩٥)، وميزان الاعتدال (٢/ ٥٠٤).