عباس، في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ورواه ابن ماجه وابن أبي حاتم، عن عمرو بن عبد الله، عن وكيع، عن إسرائيل به (١)، وهذا إسناد صحيح.
ورواه ابن جرير، من طرق متعددة، عن ابن عباس، وليس فيه ذكر اليهود، فهذا هو المحفوظ، لأن الآية مكية، واليهود لا يحبون الميتة.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ قال: يوحي الشياطين إلى أوليائهم تأكلون مما قتلتم، ولا تأكلوا مما قتل الله وفي بعض ألفاظه، عن ابن عباس، أن الذي قتلتم ذكر اسم الله عليه، وأن الذي قد مات، لم يذكر اسم الله عليه (٢).
وقال [ابن جريج](٣): قال عمرو بن دينار عن عكرمة أن مشركي قريش كاتَبوا فارس على الروم، وكاتبتهم فارس، فكتبت فارس إليهم: إن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، فما ذبح الله بسكين من ذهب فلا يأكلونه وما ذبحوه هم يأكلونه، فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب رسول الله ﷺ، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ونزلت: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢](٤).
وقال السدي في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، فما قتل الله فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟ فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ فأكلتم الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٥) وهكذا قاله مجاهد، والضحاك (٦)، وغير واحد من علماء السلف ﵏.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي: حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣١].
(١) سنن أبي داود، الأضاحي، باب في ذبائح أهل الكتاب (ح ٢٨١٨)، وسنن ابن ماجه، الذبائح، باب التسمية عند الذبح (ح ٣١٧٣)، وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق سماك به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٣١)، وصححه الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٤٤). (٢) لم أجده في الطبري بهذا السند، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به، وسنده حسن. (٣) كذا في (حم) و (مح) و (عش) وفي الأصل: "ابن جرير" وهو تصحيف. (٤) أخرجه الطبري من طريق الحسين عن حجاج عن ابن جريج به، وسنده ضعيف للإرسال والإعلال بسبب ضعف الحسين وهو ابن داود الملّقب بسُنيد. (٥) أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بمرسل مجاهد التالي. (٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وهو مرسل ويتقوى بسابقه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك ويتقوى بسابقيه.