للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقد روى الترمذي: في تفسيرها عن عَدي بن حاتم، أنه قال: يا رسول الله ما عبدوهم، فقال: "بلى إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" (١).

﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾.

هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا، أي في الضلالة هالكًا حائرًا، فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ أي: يهتدي كيف يسلك؟ وكيف يتصرف به؟ والنور هو القرآن كما رواه العوفي، وابن أبي طلحة، عن ابن عباس (٢).

وقال السدي: الإسلام (٣). والكل صحيح.

﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: الجهالات، والأهواء والضلالات المتفرقة، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ أي: لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه.

وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله أنه قال: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم رشّ عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ" (٤) كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)[البقرة] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)[الملك] وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)[هود] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)[فاطر]، والآيات في هذا كثيرة، ووجه المناسبة في ضرب المثلين ههنا بالنور والظلمات ما تقدم في أول السورة ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وزعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان، فقيل: عمر بن الخطاب، هو الذي كانت ميتًا فأحياه الله، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وقيل: عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه الله، والصحيح أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر.


(١) سنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام (ح ٣٠٩٥)، وضعفه بقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغُطيف بن أعين ليس بمعروف بالحديث. وغطيف ضعفه الحافظ ابن حجر (التقريب ص ٤٤٣).
(٢) أخرجه الطبري من الطريقين عن ابن عباس وطريق ابن أبي طلحة يقوي طريق العوفي.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مطولًا، وصححه محققوه (المسند ١١/ ٢٢٠ ح ٦٦٤٤).