للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

كونه فسقًا، ولا يكون فسقًا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة، لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جملة فعلية طلبية وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال، امتنع عطف هذه عليها فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية بطل ما قال من أصله، والله أعلم.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في الآية ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي الميتة (١).

ثم رواه عن أبي زرعة، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، عن ابن لهيعة، عن عطاء وهو ابن السائب به (٢)، وقد استدل لهذا المذهب، بما رواه أبو داود في المراسيل: من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي مولى سويد بن منجوف، أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم ابن حبان في كتاب الثقات، قال: قال رسول الله : "ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله" (٣) وهذا مرسل، يعضد بما رواه الدارقطني عن ابن عباس أنه قال: "إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله" (٤) واحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة المتقدم، أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا حديثي عهد بجاهلية، يأتوننا بلحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سمّوا أنتم وكلوا" (٥). قال: فلو كان وجود التسمية شرطًا، لم يرخص لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.

المذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانًا لم يضرّ، وإن تركها عمدًا لم تحلّ، هذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق بن راهويه وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجعفر بن محمد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ونقل الإمام أبو الحسن المرغيناني، في كتابه "الهداية" الإجماع قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدًا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه، لم ينفذ لمخالفة الإجماع، وهذا الذي قاله غريب جدًا، وقد تقدم نقل الخلاف عمّن قبل الشافعي، والله أعلم.

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : من حرّم ذبيحة الناس فقد خرج من قول جميع الحُجّة،


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ولكن بدون ذكر ابن عباس.
(٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المراسيل ح ٣٧٨) وسنده ضعيف بسبب الإرسال وجهالة الصلت السدوسي (ينظر نصب الراية ٤/ ١٨٢) وشهد له قول ابن عباس التالي.
(٤) أخرجه الدارقطني (السنن ٤/ ٢٩٥) وصححه البيهقي موقوفًا (السنن الكبرى ٩/ ٢٤٠)، وكذا الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ٤/ ١٥١).
(٥) تقدم تخريجه قبل بضع روايات.