للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور، وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي، من متأخري الشافعية، في كتابه "الأربعين"، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والضمير قيل عائد على الأكل، وقيل عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد، كحديثي عَدي بن حاتم وأبي ثعلبة: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك" وهما في الصحيحين (١)، وحديث رافع بن خديج: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه" وهو في الصحيحين أيضًا (٢)، وحديث ابن مسعود: أن رسول الله قال للجن: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه" رواه مسلم (٣)، وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله : "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح، حتى صلينا فليذبح باسم الله" أخرجاه (٤)، وعن عائشة : أن ناسًا قالوا: يا رسول الله إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: "سموا عليه أنتم وكلوا" قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر رواه البخاري (٥).

ووجه الدلالة أنهم فهموا أن التسمية لا بد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل، لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين عن السداد، والله أعلم.

والمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية، بل هي مستحبة، فإن تركت عمدًا أو نسيانًا لا يضرّ، وهذا مذهب الإمام الشافعي ، وجميع أصحابه، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل نقلت عنه. وهو رواية عن الإمام مالك، ونصّ على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحُكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم.

وحمل الشافعي الآية الكريمة ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقال ابن جريج عن عطاء ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان، وينهى عن ذبائح المجوس (٦).

وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال


(١) تقدم تخريجه من حديث عَدي وأبي ثعلبة في تفسير سورة المائدة آية ٤.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٣.
(٣) صحيح مسلم، الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح (ح ٤٥٠).
(٤) صحيح البخاري، العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد (ح ٩٨٥) وصحيح مسلم، الأضاحي: باب وقت الأضاحي (ح ١٩٦٠).
(٥) صحيح البخاري، البيوع، باب من لم يرَ الوساوس … (ح ٢٠٥٧).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يحيى بن أبي زائدة عن ابن جريج به.