وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك (١)، يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال:"المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله"(٢) وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزري، فإنه وان كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي، روياه عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله فزادا في إسناده أبا الشعثاء ووقفاه، وهذا أصح، نص عليه البيهقي (٣) وغيره من الحفاظ.
ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرًا، والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفًا لقول الجمهور، فيعده إجماعًا، فليُعلم هذا، والله الموفق.
قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد، قال: سئل الحسن، سأله رجل: أتيت بطير [كرًى](٤)، فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن: كُلْهُ كُله، قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٥).
واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجه عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذرّ، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"(٦) وفيه نظر، والله أعلم.
وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي ﷺ:"اسم الله على كل مسلم"(٧)
(١) التفسير ١٢/ ٨٥. (٢) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٩/ ٢٣٩) ورفعه خطأ كما قرر الحافظ ابن كثير، والصواب وقفه كما سيأتي في الرواية التي تليه. (٣) السنن الكبرى ٩/ ٢٣٩ - ٢٤٠. (٤) كذا في النسخ الخطية والمثبت من تفسير الطبري (في النسختين المحققتين) قال الأستاذ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري: جمع الكروان وهو طائر بين الدجاجة والحمامة حسن الصوت يؤكل لحمه. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. (٦) أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس (السنن، الطلاق، باب طلاق المكره والناسي ح ٢٠٤٥)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٩٨)، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات إلا أنه أُعلّ بعلة غير قادحة (فتح الباري ٥/ ١٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٦٤)، وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة وأبي ذرّ الغفاري (السنن ح ٢٠٤٣ و ٢٠٤٤)، وصحح سندهما الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٦٢ و ١٦٦٣). (٧) الكامل في الضعفاء ٦/ ٣٨٥ وضعف سنده الحافظ ابن كثير.