وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ أي: نتركهم ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ قال ابن عباس والسدي: في كفرهم (١). وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة: في ضلالهم (٢). ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال الأعمش: يلعبون (٣)، وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والربيع، وأبو مالك، وغيره: في كفرهم يتردّدون (٤).
يقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء، الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم، لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، فنزلنا عليهم الملائكة تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل، كما سألوا فقالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] و ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان].
﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ أي: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قرأ بعضهم، قِبَلًا بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة والمعاينة، [وقرأ آخرون بضمهما (٥)، قيل معناه: من المقابلة والمعاينة] (٦) أيضًا، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس (٧)، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٨)، وقال مجاهد: قبلًا أي أفواجًا، قبيلًا قبيلًا (٩)، أي تعرض عليهم كل أُمة بعد أُمة، فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: أن الهداية إليه لا إليهم، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء] لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس].
يقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك ويعاندونك، جعلنا لكل نبي
(١) قول ابن عباس والسدي أخرجهما ابن أبي حاتم بسندين ضعيفين يقوي أحدهما الآخر، وتشهد لهما اللغة. (٢) قول الربيع وأبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع عن أبي العالية. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سفيان عن الأعمش. (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٥. (٥) وكلتاهما قراءتان متواترتان. (٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و (مح). (٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من الطريقين عن ابن عباس والطريق الأول يقوي الطريق الثاني. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بنحوه. (٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد.