للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

يدريكم بصدقكم في هذه الأيمان التي تقسمون بها، وعلى هذا فالقراءة ﴿إنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾] (١) (٢) بكسر أنها استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عن مجيء الآيات التي طلبوها، وقرأ بعضهم (أنها إذا جاءت لا تؤمنون) بالتاء المثناة من فوق وقيل: المخاطب بقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ المؤمنون، يقول: وما يدريكم أيها المؤمنون، وعلى هذا فيجوز في قوله: ﴿أَنَّهَا﴾ الكسر كالأول والفتح على أنه معمول يشعركم، وعلى هذا فتكون لا في قوله: ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صلة كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)[الأنبياء] أي: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، وحرام أنهم يرجعون، وتقديره في هذه الآية، وما يدريكم أيها المؤمنون الذين تودون لهم ذلك، حرصًا على إيمانهم، أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون، قال بعضهم: أنها بمعنى لعلها.

قال ابن جرير: وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أُبي بن كعب، قال: وقد ذكر عن العرب سماعًا اذهب إلى السوق، أنك تشتري لنا شيئًا، بمعنى لعلك تشتري، قال: وقد قيل: إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا:

أعاذل ما يُدريك أن منيتي … إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد (٣)

وقد اختار هذا القول ابن جرير، وذكر عليه من شواهد أشعار العرب والله أعلم.

وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدّت عن كل أمر (٤).

وقال مجاهد في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾: ونحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة (٥)، وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٦).

وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس ، أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، وقال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] جلّ وعلا وقال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)[الزمر]. فأخبر الله سبحانه، أنهم لو ردوا لم يكونوا على الهدى، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقال: ولو رُدّوا إلى الدنيا، لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا (٧).


(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و (مح).
(٢) والقراءتان بالفتح والكسر في قوله: "إنها" متواترتان.
(٣) ذكره الطبري مع القراءة عن أُبي من غير إسناد.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد.
(٦) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء الخراساني عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عنه.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.