من قبلك أيضًا أعداء فلا يحزنك ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٤] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ [الأنعام: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الآية [الفرقان: ٣١].
وقال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ: إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي (١).
وقوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ بدل من ﴿عَدُوًّا﴾ أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم.
قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض، قال قتادة: وبلغني أن أبا ذرّ، كان يومًا يصلي، فقال النبي ﷺ:"تعوّذ يا أبا ذرّ من شياطين الإنس والجن" فقال: أو إنَّ من الإنس شياطين؟ فقال رسول الله ﷺ:"نعم"(٢). وهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر.
وقد روي من وجه آخر، عن أبي ذرّ ﵁، قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب، وغيره من المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذرّ، قال: أتيت رسول الله ﷺ في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال، فقال:"يا أبا ذرّ هل صليت؟ " قلت: لا يا رسول الله، قال:"قم فاركع ركعتين" قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال:"يا أبا ذرّ هل تعوذت بالله من شياطين الإنس والجن" قال: قلت: لا يا رسول الله، وهل للإنس من شياطين؟ قال:"نعم هم شر من شياطين الجن"(٣) وهذا أيضًا فيه انقطاع، وروي متصلًا.
كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأنا أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذرّ، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد، فجلست فقال:"يا أبا ذرّ هل صليت؟ " قلت: لا، قال:"قم فصلّ" قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال:"يا أبا ذرّ تعوّذ بالله من شر شياطين الإنس والجن" قال: قلت: يا رسول الله وللإنس شياطين؟ قال:"نعم" وذكر تمام الحديث بطوله (٤). وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي به.
(١) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ (صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب ٣ ح ٣ وصحيح مسلم، الإيمان، باب بدء الوحي ح ١٦٠). (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع الذي ذكره الحافظ ابن كثير وقد صححه الحافظ بمجموع طرقه كما سيأتي. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا انقطاع بين عائذ وأبي ذرّ، ويتقوى بالطرق الأخرى التالية: (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه (المسند ٣٥/ ٤٣١ - ٤٣٢ ح ٢١٥٤٦)، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير ٦/ ٢٥٨)، فهو يوافق الحافظ ابن كثير كما تقدم.