الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضًا، قوله ﷺ لمعاذ بن جبل:"أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" ثم قال: "أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم" وقد رواه الإمام أحمد: من طريق كميل بن زياد، عن أبي هريرة ﵁(١).
يقول تعالى: وكما بيّنا ما تقدم بيانه من الحجج والدلائل، على طريق الهداية والرشاد وذمّ المجادلة والعناد، ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢) أي: ولتستبين يا محمد، أو يا مخاطب سبيل المجرمين،
وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة من شريعة الله التي أوحاها الله إلي ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ أي بالحق الذي جاءني من الله ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: من العذاب ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين في الحكم بين عباده.
وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لو كان مرجع ذلك إليّ، لأوقعت لكم ما تستحقونه من ذلك، والله أعلم بالظالمين.
فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أُحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب (٣)، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلّم عليّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك، لتأمرني بأمرك
(١) الحديث تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢١. (٢) وكلتاهما قراءتان متواترتان. (٣) هو قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد.