وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فأكرمهم بردّ السلام عليهم، وبشرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: أوجبها على نفسه الكريمة، تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا، ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾.
قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل (١).
وقال معتمر بن سليمان: عن الحكم بن أبان عن عكرمة، في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ قال: الدنيا كلها جهالة (٢)، رواه ابن أبي حاتم ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أي: رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على أن لا يعود، وأصلح العمل في المستقبل، ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ"لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي"(٣) أخرجاه في الصحيحين (٤)، وهكذا رواه الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه موسى عن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وكذا رواه الليث وغيره، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بذلك، وقد روى ابن مردويه من طريق الحكم بن [أبان](٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق، أخرج كتابًا من تحت العرش، إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين، فيخرج من النار خلقًا لم يعملوا خيرًا، مكتوب بين أعينهم عتقاء الله"(٦).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عاضم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال: إنا نجد في التوراة عطفتين، أن الله خلق السموات والأرض، وخلق مائة رحمة، أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، قال: فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تبح البقرة، وبها تثغو الشاة، وبها تتتابع الطير، وبها تتتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة، جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع (٧)، وقد روي هذا مرفوعًا من وجه آخر (٨)، وسيأتي كثير من
(١) تقدم نحوه وأمثاله في تفسير سورة النساء آية ١٧. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ثلاثة شيوخ عن معتمر بن سليمان به وسنده حسن. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣١٣) وسنده صحيح. (٤) تقدم تخريجه من الصحيحين في الآية ١٢ من هذه السورة. (٥) كذا في (حم) و (مح) وترجمة الحكم، وفي الأصل: "وأبان" وهو تصحيف. (٦) سنده حسن إذ له شواهد في سابقه في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري في آخره (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة] ح ٧٤٣٩). (٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٨) أخرجه مسلم مرفوعًا من حديث سلمان ﵁، (الصحيح، التوبة، باب سعة رحمة الله تعالى ح ٢٧٥٣).