فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين (١)، فقال رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا" (٢) وهذا لفظ مسلم.
فقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم، فاستأنى بهم، وسأل لهم التأخير، لعلّ الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئًا، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى في هذه الآية الكريمة، ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾ فالجواب والله أعلم، أن هذه الآية دلت، على أنه لو كان إليه وقوع العذاب، الذي يطلبونه حال طلبهم له، لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها جنوبًا وشمالًا، فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله" ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان](٣) وفي حديث عمر: أن جبريل حين تبدى له في صورة أعرابي، فسأل عن الإيمان والإسلام والإحسان، فقال له النبي ﷺ فيما قاله له: "خمس لا يعلمهن إلا الله" ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية (٤).
وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: محيط علمه الكريم بجميع الموجودات، بريها وبحريها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما أحسن ما قال الصّرصري:
فلا يخفى عليه الذر إمّا … تراءى للنواظر أو توارى
وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ أي: ويعلم الحركات حتى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر].
وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، حدثنا حسان النمري، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ قال: ما من شجرة في بر ولا بحر إلا وملك موكل بها، يكتب ما يسقط منها (٥)، وقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
(١) هما جبل أبو قبيس والجبل الذي يقابله وبينهما الكعبة المشرفة. (٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين (ح ٣٢٣١)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين (ح ١٧٩٥). (٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] (ح ٤٦٢٧). (٤) صحيح البخاري، الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ (ح ٥٠). (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده حسان النمري ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٣/ ٣٥).