للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني: القرآن، ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن: ﴿نَزَلَ﴾ لأنَّهُ نزل مفرقًا منجمًا على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة، فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾.

يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان، ثم رجع عنه، ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتَّى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرجًا ولا طريقًا إلى الهدى، ولهذا قال: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.

قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أحمد بن عبدة، حَدَّثَنَا حفص بن جميع، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال: تمادوا على كفرهم حتَّى ماتوا (١). وكذا قال مجاهد (٢).

وروى ابن أبي حاتم من طريق جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن علي ، أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا، ثم تلا هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)(٣).

ثم قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ يعني أن المنافقين من هذه الصفة، فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم،

ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون؛ أي: بالمؤمنين، في إظهارنا لهم الموافقة، قال الله تعالى منكرًا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾، ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها


(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن واضطراب سماك عن عكرمة لا يضر لأنَّهُ ثبت عن مجاهد أيضًا كما يلي.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شريك عن جابر الجعفي به وسنده ضعيف بسبب سوء حفظ شريك وضعف جابر ويتقوى بالشواهد إذ ورد عن عمر وعثمان وابن عمر والزهري وعمر بن عبد العزيز (ينظر: مصنف عبد الرزاق ١٠/ ١٦٤ - ١٦٥)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ١٣٧، ١٣٨ و ١٢/ ٢٧٣ والموطأ ٢/ ٧٣٧، والطبقات الكبرى لابن سعد ٥/ ٣٥١، والسنن الكبرى ٨/ ٣٠٧.