له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من [جناب](١) الله والالتجاء إلى عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، عن حميد الكندي، عن عبادة بن نسيء، عن [أبي ريحانة](٢) أن النَّبِيّ ﷺ قال: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزًا [وكرمًا](٣) فهو عاشرهم في النار"(٤) تفرد به أحمد، وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال: أنصاري، واسمه شمعون، بالمعجمة، فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله وَيُسْتَهْزَأُ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ في المأثم، كما جاء في الحديث:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخَر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر"(٥).
والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨] قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الآية التي في سورة الأنعام (٦)، يعني: نسخ قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ لقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ [الأنعام: ٦٩]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ أي: [كما اشتركوا](٧) في الكفر كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم [أبدًا](٨)، ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين لا الزلال.
(١) كذا في (حم) و (مح) وفي الأصل: "جانب". (٢) كذا في (حم) و (مح) والمسند، وفي الأصل: "أبي ركان" وهو تصحيف. (٣) كذا في المسند وفي النسخ: "وكبرا". (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٤)، وسنده ضعيف لأن عبادة لم يسمع من أبي ريحانة (العلل المتناهية ٢/ ١٢٩٥). (٥) أخرجه الترمذي من طريق ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن جابر ثم قال: حديث حسن غريب (السنن، الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام ح ٢٨٠١)، وفي سنده ليث فيه مقال ويتقوى بالمتابعات فقد روي من طريق أخرى، وعن أبي الزبير عن جابر، وقد أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٨٨) وقال الحافظ ابن حجر: إسناده جيد (الفتح ٩/ ٢٥٠). (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل. (٧) كذا في (حم) و (مح) وفي الأصل: "بما أشركوا". (٨) كذا في (حم) و (مح) وسقطت من الأصل.