عن الأمر فقل الحق فيه ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه.
وقوله: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد.
وقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي: لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل ألزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النَّبِيّ ﷺ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وسيأتي الحديث مسندًا في سورة المائدة (١) إن شاء الله تعالى.
وقال النَّبِيّ ﷺ:"خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها"(٣)، ولهذا توعدهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: وسيجازيكم بذلك.
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه [ودعائمه](٤)، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] أي: بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه، فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].
(١) آية ٨. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ مرفوعًا (الصحيح، الأقضية، باب بيان خير الشهود خ ١٧١٩). (٤) كذا في (حم) و (مح) وفي الأصل: "دعامته".